ابن حزم

691

الاحكام

فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم ، وإن بعدت ديارهم ، ولو أنهم بالصين لقوله تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) * والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل . ومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك ، إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط ، كما كان الصحابة يفعلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا القول في حفظ القرآن كله وتعليمه ، ففرض على كل مسلم حفظ أم القرآن وقرآن ما ، وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرئه إياهم ، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءاته . فصح بكل ما ذكرنا أن النفار المذكور فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين . وأما من قال : إنه ليس فرضا على الجماعة ، لكنه فرض على بعضهم بغير أعيانهم ، فنكتفي من إبطال قوله بأنه يحمل خطاب الله تعالى واقعا على لا أحد ، لأنه إذا لم يعين تعالى من يخاطب ، ولا خاطب الجميع ، فلم يخاطب أحدا عز وجل عن ذلك ، وفي هذا سقوط الفرض عن كل من لم يخاطب ، فهو ساقط على كل أحد ، إذ كل أحد لم يخاطب ، وفي هذا بطلان الدين ، وبالله تعالى التوفيق . فالناس في ذلك على مراتب ، فمن ارتفع فهمه عن فهمهم أغتام المجلوبين من بلاد العجم منذ قريب ، وعن فهم أغتام العامة ، فإنه لا يجزيه في ذلك ما يجزي من ذكرنا ، لكن يجتهد هذا على حسب ما يطيق في البحث عما نابه من نص الكتاب والسنة ودلائلهما ، ومن الاجماع ودلائله ، ويلزم هذا إذا سأل الفقيه فأفتاه أن يقول له : من أين قلت هذا ؟ فيتعلم من ذلك مقدار ما انتهت إليه طاقته وبلغه فهمه . وأما المنتصبون لطلب الفقه ، وهم النافرون للتفقه ، الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم ، المتأهبون لنذارة قومهم ، ولتعلم المتعلم ، وفتيا المستفتي ، وربما للحكم بين الناس ، ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم ، ومن أحكام القرآن ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ورتب النقل ، وصفات النقلة ، ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل ضعيف ، هذا فرضه اللازم له ، فإن زاد إلى ذلك معرفة الاجماع